الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
291
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فلا تفيد إلا رفع ذلك الحكم مع انتفاء الشرط من غير دلالة على التكرار أصلا ولا فرق بين كون الشرط والجزاء إيجابيين أو سلبيين أو مختلفين غير أن كلا من الشرط والجزاء إن كان إيجابيا اكتفي في صدقه بمجرد حصول فرد منه وإن كان سلبيا توقف على رفع الجميع هذا في المنطوق وأما في المفهوم فالأمر بالعكس فإنه في الإيجابي يتوقف على رفع الجميع وفي السلبي يكتفي فيه بحصول فرد منه من غير فرق في ذلك بين الشرط والجزاء فلا بد من نفي الجميع في الأول على الأول حتى يحكم بنفي الجزاء وعلى الثاني لا بد من عدم إدخال شيء من أفراد الجزاء في الوجود ويكتفي بوجود فرد منه في الحكم بترتب الجزاء في الثاني على الأول وثبوت فرد من الجزاء على الثاني والمراد بعموم المفهوم حينئذ ما قررناه من كون الانتفاء حاصلا على جميع صور انتفاء الشرط من غير توقف على قيد آخر لكونه على نحو خاص أو في صورة مخصوصة لما عرفت من دلالة التعليق على توقف المعلق على وجود المعلق عليه وقضاء التوقف عقلا بانتفاء المتوقف عند انتفاء المتوقف عليه مطلقا ففي المثال المفروض لو تحقق المجيء على أي نحو كان وجب الإكرام ولا يدل على وجوبه كلما تكرر المجيء أصلا وأما الثانية فتفيد الحكم بتكرر انتفاء الجزاء كلما تكرر انتفاء الشرط ففي المثال المفروض يجب عليه الإكرام في كل صورة انتفت الإهانة والوجه فيه ظاهر نظرا إلى إفادة العبارة اشتراط كل صورة من صور الجزاء بصورة من الشرط فينتفي الجزاء في كل من تلك الصور بانتفاء الشرط فيها ويثبت خلافه فينحل التعليق المفروض إلى تعليقات شتى والمستفاد منه إذن انتفاء الحكم في كل منها بانتفاء شرطه وأما الثالثة فالحكم فيها كالثانية لاعتبار الاشتراط إذن في كل واحد من آحاد الموضوع فيلزمه الحكم بالانتفاء بحسب انتفاء الشرط في كل من تلك الآحاد ففي المثال الأول يحكم بالتنجس بالملاقاة في كل ماء مع انتفاء كريته وفي الثاني يحكم بالمنع من الوضوء من سؤر أيّ حيوان لا يؤكل لحمه وأما الرابعة فقد يكون الحكم بالجزاء فيها معلقا على حصول الجميع أو عدم حصوله أو على حصول أي حيوان منها أو عدم حصوله كذلك فعلى الأول يتوقف ثبوت الجزاء على حصول الجميع وينتفي بانتفاء بعض منه أي بعض كان وعلى الثاني يفيد عكس المذكور وعلى الثالث يفيد ترتب الجزاء على أيّ واحد كان من تلك الآحاد ويترتب نفيه على حصول بعض منها أي بعض كان وعلى كل حال فلا دلالة في العبارة على التكرار لا في المنطوق ولا في المفهوم وأما الخامسة فتفيد توقف ثبوت العموم على تقدير حصول الشرط فإن كان الجزاء موجبة كلية دل المنطوق على توقف الإيجاب الكلي على حصول ذلك الشرط فيكون مفاد مفهومه رفع الإيجاب الكلي الحاصل بالسلب الجزئي على تقدير انتفاء الشرط من غير دلالة فيه على السلب الكلي بوجه من الوجوه وإن كان الجزاء سالبة كلية دل على توقف السلب الكلي على حصول الشرط المفروض فيكون مفهومه رفع السلب الكلي الحاصل بالإيجاب الجزئي عند انتفاء الشرط من غير إشعار فيه بالإيجاب الكلي هذا إذا كان عمومه أفراديا وأما إن كان بدليا فإن كان إيجابيا أفاد في المنطوق ترتب حصول فرد منه على الشرط المذكور والاكتفاء فيه بأي فرد كان فأفاد في المفهوم السلب الكلي إذ ثبوت الحكم على وجه العموم البدلي إيجاب جزئي فيكون رفعه في المفهوم بالسلب الكلي ومنه يعلم عدم الفرق بين كونه موضوعا للعموم البدلي كما في المثال المتقدم وما يستفاد منه ذلك من جهة الإطلاق كما إذا قال إن جاءك زيد فأعطه شيئا فإن مفهومه عدم وجوب إعطائه شيئا على سبيل السلب الكلي على تقدير عدم المجيء وإن كان سلبيّا أفاد استغراق الآحاد في المنطوق فيكون مفاده في المفهوم رفع السلب الكلي فهو في الحقيقة يندرج في القسم المتقدم إذا عرفت ذلك فقد ظهر لك أن ما ذكره المحقق المذكور قدس سره انتصارا للعلامة إنما يتم لو كان مفاد الحديث المذكور من قبيل الصورة الخامسة ليكون مفاده رفع الإيجاب الكلي الصادق بالسلب الجزئي حسب ما قرر وليس الحال كذلك بل هو من قبيل الصورة الثالثة حيث إن العموم فيه إنما اعتبر في الموضوع وقد عرفت اقتضاء ذلك عموم المفهوم على الوجه الذي قررناه فما ذكره العلامة من جواز الاقتسام إلى القسمين في جهة المفهوم كما ترى ومن غريب الكلام ما رأيته في تعليقات بعض الأعلام على كتاب مدارك الأحكام حيث حاول الاحتجاج بمفهوم قوله عليه السلام إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء على تنجيس ما دون الكر بملاقاة كل واحد من النجاسات نظرا إلى عموم الشيء المذكور في المنطوق فيسري العموم إلى المفهوم أيضا فكما يفيد منطوقه عدم تنجس الكر بشيء من النجاسات يفيد مفهومه تنجسه بكل منها ووجه ذلك بأنه لما دل عدم تنجسه بشيء من النجاسات على الكرية كان ذلك بمنزلة تعلق عدم تنجسه بكل واحدة واحدة منها على ذلك فينحل ذلك التعليق إلى تعليقات عديدة ويكون مفاد كل منها تنجس الماء منها مع ارتفاع الشرط الذي هو الكرية وأنت خبير بالبون البين بين ما ذكره وما هو مفاد التعليق المذكور في الرواية إذ من الواضح أنه ليس المعلق هناك على الشرط المذكور إلا عدم تنجسه بشيء من النجاسات أعني السلب الكلي وقد عرفت أنه لا دلالة في انتفاء الشرط حينئذ إلا على انتفاء ذلك الحكم الحاصل بالإيجاب الجزئي ولا دلالة في ذلك على حصول التعليق بالنسبة إلى آحاد النجاسة أصلا فمن أين يمكن استفادة الحكم منه على سبيل الإيجاب الكلي كيف ولو صح ما ذكره لكان مفهوم قولك إذا أهانك زيد فلا تعطه شيئا من مالي الحكم بجواز إعطاء جميع ماله له مع انتفاء الإهانة وقولك إن لم تقدم أبي من السفر فلا أتصدق بشيء على الفقراء الحكم بالتصدق بجميع الأشياء عليهم مع قدومه إلى غير ذلك من الأمثلة مع أن الضرورة قاضية بخلافه كما هو في غاية الوضوح عند ملاحظة العرف والظاهر أن ما ذكره في المقام إنما نشاء من الخلط بين ما فصّلنا من الأقسام خامسها أنه لو كان المنطوق مقيدا بقيد اعتبر ذلك القيد في المفهوم أيضا فإن كان ذلك القيد مأخوذا في الشرط كما في قولك إن جاءك زيد وقت الصبح فأكرمه دل على نفي الحكم على تقدير عدم مجيئه في ذلك الوقت سواء جاء به في وقت آخر أولا وإن أخذ في الجزاء دل على انتفاء ذلك المقيد عند فوات شرطه فإذا قال إن جاءك زيد فأكرم العلماء الطوال دل الاشتراط على عدم وجوب إكرام خصوص العلماء الطوال عند عدم مجيئه دون مطلق العلماء فالحكم في غير الطوال مسكوت عنه إثباتا ونفيا في المنطوق والمفهوم نعم لو قلنا بحجية مفهوم الوصف دل على عدم وجوب إكرامهم في صورة